![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
|
العراق في حياة الإمام محمد الشيرازي
لا يمكن اعتبار تاريخ كل الشعوب والأمم والبلدان، تاريخاً يعتد به، أو حتى أن يحسب من عمر تلك الشعوب، فهناك فترات من ذلك التاريخ قد تطول أو تقصر، يكاد يتوقف فيها الزمن، حيث تتوقف عجلاته عن الحركة إلى الأمام رغم دورانها. تلك الفترات يمكن أن نسميها مراحل ضمور التاريخ وانكفائه، بل وحتى تراجعه القهقري نحو الوراء بدلاً من التقدم إلى الأمام. ذلك هو ما حصل بالضبط لشعب العراق، حيث أنه مرّ ومنذ سقوط العاصمة العباسية بغداد على أيدي جنود القائد المغولي هولاكو عام 1258م هذا إذا اعتبرنا ذلك الحدث هو بداية دخول العراق في عصر ما أسميناه بـ (ضمور التاريخ)، حيث ساد الجهل والتخلف والظلام، ولم يتوقف العمران فقط، بل خربت المدن التي كانت قائمة وقتذاك، كبغداد وواسط والكوفة والبصرة وغيرها، وعادت القيم الجاهلية والروح القبلية إلى الظهور مجدداً في بغداد، وصارت القبيلة والعشيرة هي المرجع والملجأ بعد سقوط الدولة العباسية. وهكذا غدت أرض العراق مغنماً سهلاً لكل الغزاة والطامعين من المغول وحتى العثمانيين، مروراً بالسلاجقة وباقي قبائل الترك والفرس الصفويين. صحيح أن العراقيين الذين كانوا ممثلين باتحادات القبائل التي أخذت تتشكل بدءاً من القرن الخامس عشر الميلادي، كاتحاد الخزاعل واتحاد قبائل المنتفك واتحاد قبائل بني لام وربيعة وزبيد، ومن ثم شمر وعنزة والعزة والعبيد، قد قاوموا المحتلين، ولم يكونوا ليرضخوا لهم أو يرضوا بالخضوع أو الاستكانة إليهم، إلا أنهم ما استطاعوا أن يحققوا نصراً كبيراً على المحتلين، ولم يتمكنوا من تحرير العراق وفرض سلطة وطنية فيه، حيث كانت تلك المقاومة يعوزها عنصران رئيسيان همها التنظيم والقيادة، وكما يقول علماء الثورة المعاصرين، إن انتصار أية ثورة يعتمد على توفر عاملين، هما الشروط الموضوعية، أي تهيؤ الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ونضجها، إلى حد الانفجار، والعوامل الذاتية، أي توفر العنصر البشري الذي يشعل الفتيل، ومن ثم - وهو الأهم - يقود جموع الناس الثائرة لتحقيق المطالب التي ثاروا من أجلها. يؤكد علماء السياسة والاجتماع والتاريخ كافة على الأهمية الكبيرة والحاسمة لدور الفرد في صنع أحداث التاريخ، ليس لشعوبهم وبلدانهم فقط، بل وللعالم كله أيضاً. ويحدثنا تاريخ البشرية عن أسماء أولئك الأشخاص الذين يكونون معدودين، والذين يظهرون كومضة نور في حياة الأمم، تنير للآخرين دروب الحياة الحرة الكريمة وترشدهم إلى مسالك العزة والمجد وتقودهم إلى حيث رضا الله ورضا النفس. مع السنوات الأولى من القرن العشرين المنصرم، ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى في سنة 1914م وبعد أن أعلنت الدولة العثمانية التي كانت تحتل العراق التحالف مع ألمانيا وأعلنت الحرب ضد دول الحلفاء (بريطانيا وفرنسا وإيطاليا) لم تدر أنها بذلك قد قدمت المبرر والحجة التي كان ينتظرها البريطانيون، وهيئت لهم الفرصة التي كانوا يعدّون لها منذ سنين عديدة لاحتلال العراق البلد الذي طالما حلموا بالسيطرة عليه، لثرواته العديدة ولأهمية موقعه الجغرافي الاستراتيجي، ولم تكن الأحزاب والحركات السياسية قد ظهرت بعد في العراق، ولم تكن هناك قيادات سياسية وطنية غير علماء الدين الأعلام ومراجع المسلمين في كربلاء والنجف، الذين أعلنوا (الجهاد) ضد الغزاة الإنكليز، رغم كل ما لقوه وما كانوا يلاقونه من ظلم واضطهاد وتمييز من قبل ولاة الدولة العثمانية. وبسبب عدم توازن القوة بين الجيوش الغازية وقوات المجاهدين التي ذهبت للقتال مع القوات العثمانية التي كان قد استشرى الضعف والفساد والانحلال وروح الهزيمة في صفوفها، فقد استطاع البريطانيون هزيمة القوات العثمانية ودحرها واحتلال العراق الذي تم في عام 1918م، بعد أن تمكنت قواتها بقيادة الجنرال مود من احتلال بغداد في عام 1917. لقد وقف الجنرال الإنكليزي خطيباً في بغداد حث قال: (إننا جئنا محررين لا فاتحين). ولكن أحداً من العراقيين لم يصدق هذا القائد المحتل، وقد أثبتت الأحداث والوقائع اللاحقة صدق هذا الحدس العراقي، حيث أخذت قوات الاحتلال تنهب ثروات الناس وممتلكاتهم، وبدأت تسيء إلى معتقداتهم ومقدساتهم، ومع اشتداد جور وظلم قوات المحتلين، زاد سخط الناس وغضبهم فكان أن اندلعت ثورة النجف في عام 1918م بقيادة علماء الدين والسادة المجاهدين. لقد ظل العراق ومنذ قرون عديدة وهو يبحث عن القائد الذي يجمع بين يديه القيادة الدينية الروحية والقيادة السياسية الثورية. صحيح أن الأحداث الكبيرة التي جرت في بداية القرن العشرين، وشهدها العالم أجمع وبالخصوص أوربا وآسيا، وبالذات خلال سنوات الحرب العالمية الأولى، والتي أدت إلى تغييرات دراماتيكية في كثير من مناطق العالم وبلدانه، قد أثرت بشكل كبير على مجريات الأحداث في الساحة العربية عموماً، والعراقية منها على وجه الخصوص، إلا أن ما ميّز الساحة العراقية عن غيرها من الساحات العربية وبالذات تلك الواقعة في مشرق الوطن العربي، هو أن معظم قادة تلك البلدان قد انخدعوا بدعاوى البريطانيين والعهود التي أطلقوها قبل وأثناء الحرب العالمية الأولى وحتى بعدها. نعم لقد انخدع كلهم، باستثناء القيادة المرجعية الدينية في العراق التي سبق وأن أفتت بالجهاد ضد الإنكليز في الوقت الذي كان الكثير من العرب يقاتلون في صفوفهم أو حتى يتحالفون معهم في الحجاز والشام. وقد أثبتت الأيام والسنين اللاحقة التي مرت بعد ذلك صدق وصحة موقف العلماء المجاهدين في كربلاء والنجف والكاظمية وسامراء. ونعود فنقول أن الشروط الذاتية للثورة ضد الإنكليز في عام 1920 قد اكتملت بتوفر عنصر القيادة التي بحث عنها العراقيون سنين طويلة، كانت تلك القيادة هي التي تحققت بشخصية اجتمعت فيها الخصال والمواصفات التي كانت لأهل بيت النبوة وأئمة الهدى وفرسان الخلاص البشري، وتلك هي شخصية الإمام آية الله المرحوم الميرزا محمد تقي الشيرازي، فقد فكر المخلصون بإلقاء زمام القضية من ناحيتها الدينية إلى أحد كبار العلماء المجتهدين الذي لا يقل من حيث السمعة وانقياد الناس إليه عن السيد اليزدي، إن لم يكن أوسع سمعة وأكثر جماهيرية، وهو آية الله المرحوم الميرزا محمد تقي الشيرازي، وقد كان رضوان الله عليه يومذاك يسكن مدينة سامراء. وهكذا اجتمع رأي المخلصين على هذا، وعلى إعطاء الزعامة الروحية إلى الشيرازي تلك الزعامة (التي لا يليق لها سواه ولا تليق هي لغيره)(1). نعم فلقد كان الإمام الشيرازي الكبير القائد الروحي والوطني الذي طالما انتظره العراقيون عبر الحقب المظلمة من تاريخهم الطويل، كان هو ومضة النور التي أضاءت الأمل في النفوس اليائسة، وكان هو الشعلة الوهاجة التي أنارت ليل العراقيين الدامس، وكان هو جذوة الثورة التي أشعلت لهيبها عرش الطاووس البريطاني، وأظهره على حقيقته العارية.
الخطوة الأولى للثورة:
وكانت الخطوة الأولى للثورة هي الفتوى التي أصدرها (رحمه الله) بعدم جواز انتخاب غير المسلمين للإمارة والسلطنة على المسلمين، وذلك بعد وصوله إلى كربلاء قادماً من سامراء، والجماهير على أتم استعداد لخوض غمار حرب الحرية والاستقلال، فتقدم الروحانيون إلى مقامه بهذا الاستفتاء الذي كان أول خطوة خطاها المخلصون إلى ساحة الجهاد(2).
فتوى آية الله الشيرازي:
ما يقول شيخنا وملاذنا حجة الإسلام والمسلمين آية الله في العالمين الشيخ ميرزا محمد تقي الحائري الشيرازي متع الله المسلمين بطول بقائه في تكليفنا معاشر المسلمين بعد أن منحتنا الدولة البريطانية العظمى الحق في انتخاب أمير لنا نستظل بظله ونعيش تحت رايته ولوائه، فهل يجوز لنا انتخاب غير المسلمين للإمارة والسلطنة علينا؟ أم يجب علينا اختيار المسلم؟ بينوا تؤجروا. فكان جوابه رضوان الله عليه على السؤال كما يلي(3): بسم الله الرحمن الرحيم ليس لأحد من المسلمين أن ينتخب ويختار غير المسلم للإمارة والسلطنة على المسلمين. الأحقر محمد تقي الحائري الشيرازي 20 ربيع الثاني، سنة 1337هـ بعد ذلك وإثر فشل كل الجهود التي بذلت من أجل استحصال الحقوق العراقية بصورة سلمية، وأصرت بريطانيا الاستعمارية على موقفها الرافض لإعطاء العراقيين الحرية في تأسيس دولتهم المستقلة، فقد قام قائد الثورة وزعيمها الروحي آية الله الشيرازي (رض) بتأسيس مجلس من كبار العلماء العاملين للمشورة(4)، وهم الشيخ مهدي الخالصي، والسيد أبو القاسم الكاشاني، والسيد محمد علي هبة الدين الشهرستاني، وميرزا أحمد الخراساني، والشيخ محمد رضا الشيرازي. ثم قام الشيرازي القائد الكبير بكتابة كتاب إلى العشائر الفراتية، لأجل تطمين الناس بأن رجال الدين لهم رأي في الموضوع وموافقة على الثورة والجهاد(5). وأرسله إلى النجف الأشرف بيد ولده الأكبر السيد محمد رضا. وسلم الرسالة إلى الشيخ رحوم الظالمي الذي بعد أن قبّلها قال: (الحمد لله وله الشكر الذي جعلني ممن يتمكن أن يقوم بما فيه الصالح العام، وشكراً لله وألف شكر، وها أنا ألبي طلب نائب الإمام (ع))(6). كما أرسل السيد أبا القاسم الكاشاني إلى الكاظمية في بغداد، فكان الأخير (رحمه الله) يقوم بكتابة المنشورات التي كانت تحضّ وتدعو إلى الثورة على المحتلين(7). كما كتب إلى كل الزعماء الوطنيين الآخرين وأيضاً إلى الملوك الهاشميين يدعوهم فيها إلى وحدة الكلمة والصفوف لمقارعة المستعمرين الإنكليز والحصول على كافة الحقوق. ومن الزعماء الوطنيين الذين كان يكتب لهم هو محمد جعفر أبو التمن(8). ثم أصدر سماحته (رض) الفتوى الشريفة الخالدة التي أمر فيها الزعماء ورؤساء القبائل بالثورة، وقد جعلت من الواجب على كل مسلم مقاتلة الإنكليز دفاعاً عن كرامته وكرامة بلاده، وهذا نصها(9): فتوى الثورة:
مطالبة الحقوق واجبة على العراقيين، ويجب عليهم في ضمن مطالبتهم رعاية السلم والأمن ويجوز لهم التوسل بالقوة الدفاعية إذا امتنع الإنكليز عن قبول مطالبهم. الأحقر محمد تقي الحائري الشيرازي كانت هذه الفتوى بمثابة البيان الأول للثورة من قائدها وزعيمها، والتي كانت الفتيل الذي أشعل أوراها، فانتشرت نيران الثورة في كل أرض العراق العربي القديم. لا نريد هنا الخوض في تفاصيل المعارك البطولية التي خاضها الثوار مع الجيش البريطاني الذي كان يعتبر أقوى الجيوش في العالم وقتذاك، وخاصة بعد أن خرجت بريطانيا منتصرة في الحرب العالمية الأولى، وكانت الإمبراطورية التي لا تغرب الشمس عن أراضيها لقد قاتل ثوار العشرين بأسلحتهم البدائية القليلة البسيطة، جيش المحتلين الغزاة قتالاً بطولياً قل نظيره، أعاد إلى أذهاننا قتال العرب العراقيين في معركة ذي قار وجيش الإمبراطورية الفارسية الساسانية، وأيضاً معارك المسلمين الأولى في صدر الإسلام، حيث كان المسلمون قليلي العدد والعدة، ولكنهم كانوا شجعاناً أباة، لا يهابون الموت ولا يخافون المنية، رجالاً آمنوا بربهم وبرسالة نبيهم (ص) العظيمة، وبحرية واستقلال وكرامة وطنهم. لقد كانت شخصية الإمام آية الله محمد تقي الشيرازي الكبير هي الشرط الذاتي الذي اكتملت به عناصر الثورة الكبرى، فلقد كان الرجل الذي أسس للمرجعية الدينية الوطنية الثورية في العراق؛ وبذلك ما عادت المرجعية مقتصرة على القضايا والشؤون الروحية الدينية فقط، بل منذ ذلك الحين صارت المرجعية تمثل القيادة السياسية الوطنية المشغولة بهمّ حرية الوطن واستقلاله، وكرامته وكرامة وسعادة أبنائه أيضاً. وهكذا فقد صنعت ثورة العشرين العظيمة بقيادة الشيرازي الكبير (رض) تاريخ العراق المعاصر كله.
المدرسة الشيرازية.. مدرسة العلم والشهادة والثورة:
في خاتمة كتابها الرائع (جهاد الشيعة في العصر العباسي الأول) تقول الدكتورة سميرة الليثي: إن من عوامل استمرار حركات الشيعة عبر التاريخ وخاصة في العصر العباسي هو حب المسلمين لآل بيت النبوة، ليس لقرابتهم الخصيصة من رسول الله (ص) فقط، بل لأن علياً أصبح في نظر المسلمين كافة (مصدراً للعلم والأدب). وقد انحسر العلم عن بيوت كثير من أولاد الصحابة، فهي تقول(10): (ومن هذه العوامل أيضاً، حب المسلمين لآل البيت بصفة عامة، وللبيت العلوي منهم بصفة خاصة. فقد أصبح بيت علي، في نظر كافة المسلمين، مصدراً للعلم والأدب. وقد انحسر العلم عن بيوت كثيرة من أبناء الصحابة، وأتبعوا الدنيا، أما البيت العلوي، فلم يكن فيه منحدر لينحسر منه العلم أو يغيض، وأصبح البيت العلوي في العصر العباسي الأول، أكبر مصادر النور والعرفان... وأنصرف آل البيت إلى العلم النبوي، يتدارسونه وفيهم ذكاء آبائهم، وهداية جدهم، والشرف الهاشمي، وتوارثوا ذلك الاتجاه العلمي، فورثوا الإمامة فيه. وفي مكان آخر من نفس الصفحة تقول الدكتورة الليثي، (ومن عوامل استمرار حركات الشيعة أيضاً، فتح باب الاجتهاد)(11). هذه الحقائق التي سطرتها الدكتورة سميرة الليثي في كتابها، هي واحدة من شهادات عديدة وكثيرة، كتبها كتاب أمناء وباحثون شرفاء ملأت صفحات المجلدات والأبحاث والدراسات. ومرت السنون والأحقاب والقرون وهذه المدرسة الثلاثية الأركان (العلم والثورة والشهادة)، راسخة البنيان لم تزل تقدم العلماء الأعلام والثوار الشجعان والشهداء الأبرار. وجاء القرن العشرين، القرن الذي شهد أحداثاً جساماً لم تشهد البشرية لها مثيلاً طيلة عمرها الطويل فقد شهد القرن المنقضي نهضة الأمم والشعوب، بعد رقاد طويل أمتد لعشرات السنين، ومن تلك الشعوب الشعب العراقي فكان لمدرسة أهل بيت النبوة عامة والبيت العلوي خاصة أن تأخذ دورها الذي اضطلعت به منذ تأسيسها على يد صاحب الرسالة (ص) وباب مدينة علمه، وحامل رايته وقائد جيوشه الإمام علي(ع). فكان الإمام آية الله محمد تقي الشيرازي (رض) هو المدرسة، الذي وجدت فيه جموع المسلمين الرجل المناسب في الزمن المناسب، فبايعته قائداً ومعلماً ومرشداً. وثم كانت المدرسة الشيرازية التي أسسها الإمام الثائر مرجع الإسلام والمسلمين استمراراً لمدرسة أهل البيت وتجسيداً حياً لها، وتحقيقاً لأركانها الثلاثة: العلم، والثورة، والشهادة في عصرنا الحالي،. فكما هرول المسلمون الثائرون نحو الإمام علي (ع) واختاروه إماماً وقائداً ومعلماً، في أشد الأوقات محنة وأكثرها خطورة، كذلك هرول العراقيون الثائرون إلى الإمام الشيرازي الكبير، في أشد الأوقات محنة وأكثرها خطورة، فبايعوه إماما وقائداً ومعلماً، كما فعلوا مع جده تماماً. بعد رحيل الإمام والقائد الشيرازي الكبير، استمرت هذه المدرسة في عطائها، وفي ترسيخ قواعدها، وتعزيز أركانها، ليس طلباً لجاه أو رغبة في زعامة، بل تأدية لواجب شرعي ورثته كابر عن كابر، فجاء السيد مهدي نجل آية الله الشيرازي الكبير ليكمل الطريق الذي ابتدأه القائد الوطني العظيم، رغم معرفته بوعورة مسالكه، وصعوبة شعابه، فكان علماً من أعلام الهدى والعلم والوطنية. وبعد أن أدى الأمانة على أعظم ما يكون عليه أداؤها، وكما عرف بها آل محمد وأبناء علي(ع) سلم الراية، وأعطى الوديعة إلى أبنائه الكرام البررة.
فكرة وجهاد وشهادة: ولد الشهيد آية الله السيد حسن بن الميرزا مهدي في مدينة النجف الأشرف في العراق عام (1254) للهجرة. ونشأ وترعرع في أحضان بيت العلم والجهاد والثورة، وتربى على يد وفي ظل والده المجاهد الذي عاش أيام الجهاد وثورة العشرين المجيدة التي كان يقودها الإمام الشيرازي الكبير(12). وتتلمذ على أيدي كبار الفقهاء والعلماء مثل آية الله العظمى السيد الميلاني وآية الله العظمى الشيخ محمد رضا الاصفهاني وعلى يد والده (قده) آية الله العظمى السيد ميرزا مهدي الشيرازي وأخيه الأكبر آية الله العظمى فقيد الأمة الإسلامية الكبير السيد محمد الحسيني الشيرازي (رض). حتى بلغ المرحلة العالية في الفقه والأصول ونال درجة الاجتهاد والاستنباط للأحكام الشرعية(13). ولم يكتف بدراسة العلوم الإلهية الشرعية بل أنه اجتهد في مجالات أخرى من المعارف والعلوم الإنسانية، كالأدب والشعر والبلاغة، وقد نبغ فيها جميعها. جهاده: لكونه كان واحداً من بيت بايعه مجاهدو العراق قائداً لهم، فقد ولد الشهيد آية الله السيد حسن الشيرازي (رض) وهو يحمل روح الجهاد والثورة، فكانت تلك القيم ينبض بها قلبه منذ طفولته، وتسري في عروقه مع دمائه الطاهرة، التي سالت على درب الشهادة في سبيل حرية العراق وكرامة أبنائه. لقد نشأ في بيت يتنفس أهله هواء الثورة وعبق الجهاد فكبر، وقد كبرت معه هذه المبادئ والقيم، فما أن بلغ سن الشباب حتى بدأ مشوار جهاده الطويل، وهو لما يبلغ العشرين من عمره فقد اقتحم غمار النضال الوطني بكل صفات العلوي المجاهد، من جرأة وشجاعة وصدق ومبدأ، لا يعرف المساومة والمهادنة أو المداهنة، وكانت بداية ذلك المشوار في تصديه للنظام الملكي البائد العميل للاستعمار البريطاني، ولرموزه كنوري السعيد الذي شغل منصب رئيس الوزراء والحاكم الفعلي للعراق طيلة فترة حكم ذلك النظام وكذلك إلى (بهجت العطية)، رمز ظلم ذلك النظام وبطشه وقسوته والذي كان يشغل وظيفة مدير الأمن العام. وقد استخدم في تصديه الشجاع ذلك مختلف الوسائل والطرق ومنها أسلوب التنبيه والحث، فقد كان يقوم بزيارة ومقابلة الشخصيات السياسية، والرسمية، ويضعهم أمام مسؤولياتهم في القضايا العامة والخاصة، ويحذرهم من التواني والتباطؤ في تنفيذ ما تقتضيه المصلحة العامة(14). وكان رضوان الله عليه يدعوهم للاهتمام بالعتبات المقدسة والقضايا الإسلامية بصورة عامة، والتي كانت تعاني من الإهمال وعدم الاكتراث(15). وقد ضاق المسؤولون في بغداد ذرعاً من إلحاح السيد الشهيد وإصراره على المطالب التي كان يتقدم بها، ومتابعته إياها، ورفضه التنازل عنها، أو التخفيف منها.
موقفه من حلف بغداد: لقد كان المجاهد الشهيد آية الله السيد حسن الشيرازي موجوداً في كل معارك الشعب العراقي الوطنية يتقدم المناضلين المدافعين عن حق العراقيين في العيش في وطن متحرر من قيود المستعمرين، ومنقطع من كل رابطة تحد حريته، وتنقص من استقلاله الوطني ولذلك فما أن أعلن عن قيام حلف المعاهدة المركزية الذي سمي باسم مدينة بغداد، للأهميتة التي يمثلها العراق بالنسبة للاستراتيجية الغربية في هذه المنطقة الحيوية والهامة من العالم، إلا وانبرى السيد الشهيد (قده) مندداً بعقد ذلك الحلف الاستعماري المشبوه، مستخدماً في ذلك كافة الوسائل التي كانت متاحة في وقتها، وفي مقدمتها الصحافة والإعلام، فقد كرس افتتاحية مجلة (الأخلاق والأدب)(16) التي رأس تحريرها ولأشهر عديدة، للتنديد بالحلف المذكور ومهاجمته وفضح نواياه وأهدافه العدوانية الاستعمارية البغيضة. كما دعا سماحته في تلك المقالات أبناء الشعب العراقي بكافة قومياته وطوائفه إلى مقاومة الحلف الرجعي – الاستعماري والى التصدي إلى الحكومات العميلة التي وقعت عليه، وفي مقدمتها حكومة النظام الملكي في العراق، التي يرأسها نوري السعيد وفاضل الجمالي، كما هاجم حكومة شاه إيران، وفضح النظام البهلوي الحاكم في إيران وقتها، وعرى ارتباطاته مع المستعمرين الأجانب(17)، ومنذ حكم رضا بهلوي الأب، مما أثار عليه غضب وسخط وحنق الشاه المقبور محمد رضا بهلوي شخصياً، الذي أوعز إلى سفيره في بغداد وقتها، بالطلب من الحكومة الملكية العراقية مسائلة ومعاقبة السيد الشهيد على مقالاته تلك وفعلاً قام حينها السفير بالتحرك ضد الشهيد الخالد (رض) ولولا تدخل سماحة السيد ميرزا مهدي الشيرازي (قده)(18)، وقوة نفوذه الشخصي باعتباره مرجعاً دينياً كبيراً أذّاك، لكان قد أدى إلى سجن السيد الشهيد – بل ربما أكثر من ذلك(19). كان الشهيد (قده) على يقين تام وإدراك أكيد، بأنه قد اختار الطريق الأصعب والدرب الأوعر في الحياة، ولكنه كان غير آبه لكل ما قد يتعرض له، وكل ما قد يلاقيه جراء اختياره ذاك. وعود علي بدء، فقد استمر السيد الشهيد (رض) بكتابة المقالات الافتتاحية، التي كانت تحرض الجماهير العراقية، وتعبئها للنضال من أجل الوقوف بوجه الحكومات الظالمة والعميلة للاستعمار فكانت تلك المقالات أشبه بالصاعقة التي كانت تقض مضاجع حكام بغداد العملاء(20). مما جعل أولئك الحكام يقومون باتخاذ قرار اعتقال السيد الشهيد مع أخيه الفقيد الكبير مرجع الإسلام والمسلمين آية الله العظمى والحجة الكبرى السيد محمد الشيرازي (رض) وكل أعضاء هيئة التحرير والكتاب العاملين في مجلة (الأخلاق والأداب)، وفعلاً صدر القرار بذلك من قبل المجرم بهجت العطية، مدير الأمن العام يومذاك(21)غير أن مشيئة الله سبحانه وتعالى حالت دون تنفيذ ذلك القرار الجائر، وذلك لقيام انقلاب 14 تموز قبل أن يأخذ طريقه للتنفيذ. |